عرجاء تزوجت اعمى – الجزء الثالث
قالت له: “زوجتك هذه قاعدة بلا شغل ولا مشغلة، ألا تجعلها تغسل ملابسهم؟ هي فالحّة للدلع، أمها لم تربّها مثل الناس”. فزعلت منها زعلاً شديداً وكدت أسمعها كلاماً في لحظة غضب، لكنني تمالكت نفسي وطلعت غرفتي، لبست أقرب عباية وطرحة، وطلعت على بيت بنت عمتي كداري، مع إنو بيتها ليس قريباً جداً، لكن مشيت برجليّ زعلانة ومقهورة من تصرفات أمه، كيف تتكلم عن أمي هكذا، ما تراعي أنها ميتة وتحت التراب. مشيت وفضفضت لبنت عمتي (ثريا) ما في قلبي كله حتى ارتحت ووجعي خف شوية. وهي كتر خيرها نصحتني، قعدت معاها ورجعت المغرب، وحتى ما كان عندي نقود، جيت فقط من دون أي شيء، هي دفعت لي نقود الركشة. وصلت البيت وعلى طول مشيت غرفتي، أدوشت وتوضيت وصليت. بعد شوية، جاء عادل داخل بصينية أكل، وضعها في الطربيزة وقال لي: “تعالي كلي”. قلت له: “أنا أكلت”. قال لي: “إن شاء الله، تعالي ذوقيه ساي”. قلت له: “ما عايزة”. حاول يأنسني كثيراً لأكل، بس رفضت. قال لي: “أنا ما أكلت وما باكل لو ما أكلتِ معاي”. عادل ده لا يوق، خلاص مشيت غسلت يدي وجيت قعدت، قبل ما آكل عاينت فيه. فهمني وقال لي: “ده ما أكل ناس البيت”. كلامه طمّنني، سميت ودخلت يدي.. الصراحة الأكل ده أحلى من أكلهم وأطعم، أكلت كأني ما تغديت، حتى بطني ملت وما قادرة أتنفس من الطمع ودر ما جمع. عادل قال: “أها، الأكل كيف؟ عجبك؟”. قلت له: “إي والله حلو”. تاني شغلها لي، كل ما آكل لقمة لقمتين يسألني. قلت له: “الأكل حلو، لي بتسألني كم مرة؟”. قال لي: “أنا عملته!”. انصدمت، لمن قربت أتخنق بالأكل، قلت له: “جد؟ بتعرف تطبخ أنت!”. هز راسه وقال لي: “إي”. قلت له: “ما توقعت إنك تعرف تعمل أي شيء، حتى الطبخ”. ضحك وقال: “كنتِ بتكذبي ولا شنو؟ ما قلتي اتغديتي من العصر!”. ضحكت وقلت له: “والله اتغديت مع العصر، لكن الأكل سمح، نعمل شنو، وطقتة نظيفة عشان كده قمت بيه”. وبدينا نتونس، كانت أول مرة أحكي لعادل عن أهلي (أمي، أبوي) وعمي ومرته وأولاده… حكيت له عن الناس اللي بحبهم.. عن الناس اللي بيفرحوني. لكن ما حكيت له عن إخوتي، يمكن هو فهمني، والحمد لله إنه ما سألني، لأني ما عايزة أرجع للذكريات الأليمة اللي قضيتها معاهم.
بعد ما اتعشينا واتونسنا، قلت لعادل: “أنا اتولدت عرجاء، لكن أنت ما اتولدت أعمى.. عملت حادث صح!”. قال لي: “قبل 10 سنوات”. قلت له: “طيب أنت قلت لي عملت ثلاث عمليات، اثنتين بعد الحادث، وواحدة بعد سنة”. قال لي: “إي”. قلت له: “يعني أنت عندك قرابة 8 سنة أو أكثر ما عملت عملية تانية!”. قال لي: “إي”. قلت له: “لي طيب؟”. قال لي: “في كل مرة بعمل عملية بتوهم إني حأشوف تاني، لحد ما يئست وتاني ما عملت أي عملية”. قلت له: “طيب ده قبل 8 سنوات، تاني ما فكرت تعمل عملية؟”. قال لي: “لا”. قلت له: “ما تيأس، حاول يمكن تتعالج ويرجع بصرك، وخلي ثقتك بربنا كبيرة”. سكت ما رد لي. قلت له: “دي حاجة غريبة اكتشفتها فيك”. قال لي: “هي شنو؟”. قلت له: “اليأس، دايماً اللي بشوفك بشوش وواثق وعندك إيمان بربنا، لي تخلي اليأس يسكنك من جوه؟”. قال لي: “كلامك صح، ما فكرت، لكن بفكر أعملها إن شاء الله”. قلت له: “أيوه ده الكلام الصح، ارجع عيد النظر تاني، وإن شاء الله حترجع تشوف تاني بإذن الله”.
“سجى”…
بعد ثلاثة أيام، عادل فاجأني قال عايز يعمل العملية. أنا فرحت له، وفي نفس الوقت خفت، لو رجع يشوف، أنا موضعي حيكون وين؟
“عادل”…
زواجي من سجى أثر عليّ وخلاني أكون إيجابياً واجتماعياً. كنت منغلقاً على نفسي، بمشي المسجد وبرجع البيت، لكن بعد ما اتزوجت سجى بقيت أطلع كتير، وأحياناً بمشي معاها لأهلها، واتعرفت على ناس كتار.. بقى عندي أصحاب ومعارف. ورجعت أتواصلت مع أصحابي الزمان. الشيء اللي فاجأني إنها طرحت عليّ موضوع العملية!. للأمانة، أنا ذاتي نسيت وبقيت متعايش مع الموضوع، يعني شبه أتقبلت نفسي أعمى، ونسيت إنو أنا ما تولدت أعمى، وكان بسبب حادث، ويمكن اتعالج، لكن كلامها أثر فيني لدرجة إني تكلمت مع صاحبي في نفس اليوم عن موضوع العملية. تاني يوم رد لي خبر وقال إنو لقى دكتور شاطر، مشيت معاه المستشفى وقابلتو. بعد يومين رجعنا ليه عشان نحدد موعد العملية، رغم إنو الدكتور ما طمني وقال لي نسبة نجاح العملية ضعيفة ومعدومة إلا تجي معجزة. لكن أنا أصريت وخليت الباقي لربنا، المهم أنا سعيت وربنا الشافي. “حلمي الوحيد بعد ما أفتح عيوني أشوف سجى بس ما أكثر”. كلمتها إنو العملية اتحددت بعد يومين، بس لو عليّ أنا في نفس اليوم أعملها. اليومين مرو كأنهم سنتين، وجا وقت العملية. سجى ما جات، ما عارف لي، يمكن خايفة، لكن هي قالت لي حتجي. لحد ما دخلوني العملية وطلعت، حاسي كأنها ما جات. تاني يوم جو أمي وأخواتي، لكن كنت فاقد صوت سجى، قلت معقولة ما تكون جات تشوفني!. قلت: يا رب سهل، خايف أشيل الشاش من عيوني وما ارجع أشوف تاني. بعدت الأفكار السلبية من راسي وقلت كلو لي خير، لو ما نجحت تاني بحاول، المهم ما أيأس وما أستسلم.
ثالث يوم، الدكتور جا شال الشاش من عيوني، كنت خايف ومتردد أفتحهم. الدكتور قال لي: “افتح عيونك”. فتحت عيوني شايف إضاءة قوية حرقت عيوني، طوالٍ غمضتهم سريع. الدكتور قال: “مالك؟”، وهو بهبش في عيوني، قال لي: “افتح عينك تاني، أنت شايف؟”. أمي قالت لي: “ما مشكلة يا ولدي، الجايات أكثر”. فتحت عيوني وأول ما شفت قلت: “أمي”. قالت لي بصدمة: “أنت شايفني؟”. قلت ليها: “إي”، وأنا طاير من الفرح. الدكتور قال لي: “دي معجزة، وفي زمن قياسي”.
الحمد لله، بفضل ربنا قدرت أشوف أمي وأخواتي، السرير والغرفة الراقد فيه، وشفت نفسي بعد 10 سنوات، ملامح وشي صح اتغيرت، بس ما كتير، ياهو نفس عادل الزمان، بس نضج وكبرت شوية. الدكتور قال: “حنخرجك بكره”، لكن أنا ما عندي صبر لي بكره، عايز أطلع اليوم قبل بكره. والسؤال اللي كان بيراودني: “سجى وين؟ ولي ما جات!”. اليوم الرابع، الدكتور صرف لي نظارة نظر شفافة ومعاها قطرة، وعندي مقابلة عشان يتابع معاي لو العين التهبت أو حصل ليها أي شيء. طلعت من المستشفى وأنا حاسي بانتعاش كأني أول مرة بستنشق الهواء، كنت بشوف الحاجات كأنو أول مرة بشوفها.. الشمس، الطيور، الناس، العربات. كنت مطلع راسي بشباك العربية ومنتبه على الطريق كأني طفل صغير بشوف وبنبهر: “كافتيريا ومطاعم، مغاسل، مدارس، مستشفيات، بيوت، مساجد”. كنت منبهر في شكل الشوارع والبنيان اللي اتقدم بعد 10 سنوات. أي تفصيل صغير كان بسعدني، لكن سعدي الأكبر إني أشوف سجى. وصلت البيت وأنا طاير طيران لي غرفتنا، كان عندي النية أعاتبها وأسالها لي ما جات أو سألت مني؟ لي ما اتصلت عليّ ولو مرة واحدة.. كان تبرر غيابها لي، هي ما عارفة إنو أنا كنت منتظرها على أحر من الجمر، عايز أسمع رنة صوتها بس. دخلت الغرفة لقيتها بتصلي، وأنا كنت منتظرها لحد ما خلصت، بعدها سبحت وأنا طفح الكيل معاي، قلت ليها: “سجى”. التفتت عليّ وقالت لي: “نعم”. كانت أول مرة أشوفها، لكن كانت أحلى من أي وصف اتوصفت بيه.
“سجى”
بعد ما عادل كلمني إنو عايز يعمل عملية، خفت شديد لدرجة ما مشيت المستشفى. صح مفروض أكون معاه، بس لو فتح عيونو وقال ما عايزني أو طلقني. قلت أحسن أقعد بكرامتي في البيت، لو ما عايزني برجع، بس هو فاجأني لمن جا راجع، ومن دون ما أنتبه كنت بصلي، بعد ما خلصت كنت بسبح، جاني صوت من وراي قال: “سجى”. التفت بسرعة لي وراء، عايزة أشوفه اتعالج قدر يشوف أو لا… يتبع.